الصور البيومترية وخطوط المحمول.. هل نملك الحل أم نفتح بابًا لمخاطر أكبر؟
الصور البيومترية وخطوط المحمول.. هل نملك الحل أم نفتح بابًا لمخاطر أكبر؟
منذ أن طفت على السطح مشكلة «الخطوط المضروبة» والمسجلة بأسماء مواطنين دون علمهم، أتابع عن كثب كواليس القرارات والإجراءات التنفيذية الصادرة في هذا الشأن. والملخص المعلمن حتى الآن يشير إلى بدء شركات المحمول الأربع تشغيل نظام التحقق بالوجه تدريجيًا داخل منافذها، وصولًا للتطبيق الإلزامي على تعاقدات الخطوط الجديدة ونقل الملكية وتحديث البيانات، بهدف التأكد من مطابقة الشخص الواقف أمام موظف البيع لبطاقة الرقم القومي المقدمة.
ظاهريًا، يبدو النظام خطوة جادة لمنع التلاعب مستقبلًا بربط الإصدار بحضور صاحب الخط والتحقق المركزي من هويته، إلا أنه علاج جزئي؛ إذ لا يكفي وحده لتصفية ملايين الخطوط القديمة المسجلة بالتحايل، والتي تتطلب حملات تنقية وإخطار شاملة.
ولأن جون ستيوارت ميل يقول: "إن العلاج الجزئي للشر الكبير لا يأتي بنتيجة جزئية، بل إنه لا يأتي بنتيجة على الإطلاق"، أضع أمام الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، ووزارة الاتصالات، والجهات الرقابية والأمنية، هذه المحاذير والأسئلة المفصلية:
علامات استفهام حول التنفيذ والتقنية
- طبيعة أدوات التصوير: هل ستُستخدم كاميرات هواتف محمولة عادية وبدقة متباينة؟ وهل تترك عملية اللقطة لتقدير الموظف من حيث الزوايا والمسافات؟
- غياب المسح البيومتري الحقيقي: التقاط صورة عادية لا يُعد مسحًا بيومتريًا؛ إذ يفتقر لأهم عناصر الأمان وهو «اختبار الحيوية» (Liveness Detection) للتأكد من أن صاحب الوجه يقف بشخصه، ولا يُستخدم في وجهه ملصق أو صورة رقمية معالجة.
- مكان التخزين وسلسلة النقل: أين تُحفظ هذه البيانات؟ هل على هواتف البائعين ومناطق الخدمة، أم على حواسب الفروع، أم خوادم الشركات، أم الجهاز القومي للاتصالات؟ وما هي أساليب التشفير المستخدمة لحمايتها من الاختراق؟
إن الخطورة هنا تكمن في أن رقم الهاتف يمكن تغييره، بينما «بصمة الوجه» إذا تسربت - كما تسربت سابقًا قواعد بيانات الأرقام لشركات التسويق - فلا يمكن استبدالها، وتصبح مادة خامة لعمليات انتحال الصفة والنصب الإلكتروني المعقد.
خارطة طريق لبناء منظومة بيومترية آمنة
لكي لا تصبح التكنولوجيا مصدر خطر أكبر من المشكلة التي جاءت لعلاجها، أقترح الآتي:
- حملة قومية للرقم القومي الموحد: جعل الرقم القومي مرجعًا ألمعيًا وشاملًا بكافة المعاملات (ضرائب، تأمينات، جمارك، وسجلات).
- قاعدة بيانات بيومترية سيادية: إنشاء قاعدة بيانات موحدة (وجه، أصابع، قزحية العين) مملوكة ومحفوفة بالكامل من الدولة، ترتبط بشهادات الميلاد والرقم القومي.
- تحديث البيانات مع المعاملات الرسمية: دمج جمع البيانات البيومترية مع إجراءات تجديد بطاقات الرقم القومي، وجوازات السفر، والمعاملات الرسمية.
- آلية الاستعلام لا الاحتفاظ: ربط كافة المؤسسات (بنوك، قطاع عقاري، شركات اتصالات) بقاعدة البيانات الوطنية بآلية تسمح بـ «الاستعلام والمطابقة الفورية» دون منح هذه الجهات حق الاحتفاظ بنسخ من البيانات البيومترية.
- جدول زمني حاسم: وضع خطة زمنية لا تتجاوز عامًا واحدًا لتطبيق المنظومة الشاملة وفق مراحل مدروسة وضوابط حماية واضحة.
الاستعجال في تطبيق آليات جزئية لالتقاط صور المواطنين دون بنيوية تقنية وأمنية صلبة قد يحل ثغرة بسيطة، لكنه يفتح أبوابًا واسعة لمخاطر لا حصر لها.. اللهم قد بلغت، اللهم فاشهد