«قاع الهامور».. مجرد تريند ساخر أم ظاهرة تستحق التوقف أمامها؟
«قاع الهامور».. مجرد تريند ساخر أم ظاهرة تستحق التوقف أمامها؟
في البداية، ضحك الجميع.
صور «سبونج بوب» و«مستر سلطع» و«شفيق» و«باتريك»، إلى جانب شكاوى أهالي «قاع الهامور» التي تحاكي بسخرية شديدة ما نراه يوميًا داخل مجموعات المناطق والأحياء على مواقع التواصل الاجتماعي.
الفكرة بسيطة، لكنها شديدة الذكاء.
لكن عندما تتحول مجموعة ساخرة إلى مجتمع رقمي يضم مئات الآلاف من الأعضاء، وسط تقارير تتحدث عن وصول عدد أعضائها إلى نحو مليون خلال ساعات قليلة، فإن الأمر يستحق أن نتوقف قليلًا عن الضحك وننظر إلى الظاهرة من زاوية أخرى.
ليس بهدف تخويف الناس أو اتهام أحد، وإنما بهدف الفهم والوعي.
من «Meme» إلى مجتمع رقمي
ما يحدث في «قاع الهامور» لم يعد مجرد مجموعة من الصور المضحكة؛ إذ بدأ الأعضاء في بناء عالم افتراضي متكامل، يضم شخصيات وشكاوى وخدمات وإعلانات وانتخابات وعقارات ومؤسسات ومواقف يومية وقصصًا جديدة تظهر كل ساعة.
وهنا حدث تحول مهم:
Meme → Community → Shared Identity
أي أن الناس لم تعد تكتفي باستهلاك المحتوى، بل أصبحت تشارك في صناعة عالم رقمي مشترك.
وساهم الذكاء الاصطناعي في تسريع هذه العملية؛ فأصبح بإمكان أي شخص تقريبًا استخدام صورته أو صورة شخصية معروفة ووضعها داخل هذا العالم الخيالي خلال دقائق، ثم نشرها لتلقى عشرات أو مئات المشاركات، قبل أن يعيد آخرون إنتاج الفكرة بصور وأشكال جديدة.
وهكذا يصبح الترند قادرًا على إعادة إنتاج نفسه بنفسه.
أين تكمن أهمية الظاهرة؟
المشكلة ليست في «قاع الهامور»، وليست في السخرية، وإنما في القوة التي يمكن أن يمتلكها أي مجتمع رقمي بهذا الحجم.
فعندما يجتمع مئات الآلاف أو مليون شخص حول فكرة واحدة، يصبح هذا المجتمع، من منظور الذكاء الاجتماعي Social Intelligence، بيئة شديدة الأهمية لفهم:
ما الذي يضحك الناس؟
ما الذي يغضبهم؟
ما القضايا التي تشغلهم؟
ما الموضوعات التي تنتشر بسرعة؟
من الأشخاص الأكثر تأثيرًا؟
كيف تنتقل المعلومات من شخص إلى آخر؟
وهنا نصل إلى مفهوم شديد الأهمية، وهو التأثير Influence.
فالمجتمع الرقمي الضخم قد يبقى مجرد مساحة للترفيه، لكنه يمكن أيضًا، بقصد أو من دون قصد، أن يتحول إلى قناة قادرة على تشكيل اتجاهات الرأي.
السؤال ليس: من وراء المجموعة؟
السؤال الأهم هو: كيف انتشرت بهذا الشكل؟ ومن يستطيع التأثير في جمهورها؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن يبحث عنها محللو استخبارات المصادر المفتوحة OSINT والذكاء الاجتماعي، ومنها:
هل النمو طبيعي Organic بالكامل؟
من أين يأتي الأعضاء؟
ما الحسابات التي تصنع المحتوى الأكثر انتشارًا؟
ما المنشورات التي تحقق أعلى معدلات تفاعل؟
كيف ينتقل المحتوى من «فيسبوك» إلى «تيك توك» و«إنستجرام» و«إكس»؟
* هل تتغير طبيعة المحتوى مع زيادة حجم المجتمع؟
هذه الأسئلة أكثر أهمية من الانجراف وراء نظريات المؤامرة.
لا تجعلوا الـ«Meme» يلغي التفكير النقدي
هناك قاعدة بسيطة في العالم الرقمي: كون المحتوى مضحكًا لا يعني بالضرورة أنه صحيح، وكونه منتشرًا لا يعني أنه موثوق.
كما أن تداول مليون شخص لمعلومة ما لا يجعلها صحيحة. بل إن المحتوى الساخر يكون أحيانًا أكثر قدرة على الانتشار من المحتوى الجاد؛ لأنه لا يمنح المستخدم شعورًا بأنه أمام معلومة تحتاج إلى التحقق.
وهنا يأتي دور الوعي الرقمي، الذي طالما أكدت أهميته خلال محاضراتي. فقبل مشاركة أي معلومة، حتى لو جاءت داخل إطار كوميدي، يجب أن نسأل:
* هل هي حقيقة أم رأي أم سخرية؟
* ما مصدرها؟
* من المستفيد من انتشارها؟
لقد جعل عصر الذكاء الاصطناعي هذا الأمر أكثر أهمية. فقبل سنوات، كان إنتاج صورة ساخرة يحتاج إلى مصمم، أما اليوم فيستطيع الذكاء الاصطناعي إنتاج عشرات الصور والأفكار خلال دقائق.
وهذا يعني أن قدرة الإنسان على صناعة المحتوى أصبحت هائلة، لكن المشكلة أن قدرته على التحقق لم تتطور بالسرعة نفسها.
وهنا يظهر أحد أكبر تحديات عصر الذكاء الاصطناعي:
كلما أصبح إنتاج المحتوى أسهل، أصبح التحقق منه أكثر أهمية.
هل «قاع الهامور» خطر؟
حتى الآن، لا أرى سببًا لوصف الظاهرة نفسها بأنها خطر أو مؤامرة. فقد تكون ببساطة واحدة من أذكى وأسرع موجات الـ«Meme» المصرية انتشارًا.
لكنها بالتأكيد ظاهرة تستحق الدراسة؛ لأنها تقدم مثالًا حيًا على كيفية تحول فكرة شديدة البساطة، خلال وقت قصير، إلى مجتمع رقمي ضخم.
وقد يكون أهم درس تقدمه هذه الظاهرة هو أن الجمهور أصبح قوة، وأن من يفهم كيف يتجمع الجمهور ويتفاعل، وكيف تنتشر الأفكار داخله، يستطيع فهم جانب كبير من مستقبل الإعلام والتسويق والتأثير الرقمي.
لذلك، اضحكوا واستمتعوا بـ«قاع الهامور»، لكن حافظوا في الوقت نفسه على وعيكم؛ فمواقع التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد مكان لنشر الصور والنكات، وإنما أصبحت بيئة لصناعة الرأي وبناء المجتمعات وتشكيل السلوك.
فالـ«Meme» الذي يبدأ بنكتة قد يتحول غدًا إلى ظاهرة اجتماعية كاملة.
وفي الختام: قد يبدأ الترند بلا نية، لكن القوة التي يصنعها يمكن أن تكون لها نية.